محمد أمين المحبي
30
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
وبحلمه يهتدى . وكان عصره يربو على العصور شرفا ، ويرتقي من المعالي فننا وشرفا . بضروب من المآثر والمفاخر ، ازدانت بها الأوائل والأواخر . يحديها حادي الرّفاق ، على مطالع الإشراقين من الآفاق . حتى سمعتها كلّ أذن صمّا ، ورأتها كلّ عين عميا . وكان حماه للقصّاد قبلة ، وما أظنّ أحدا بلغ مثل شأنه قبله . يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا ، وينشد ببابه تمام الحجّ أن تقف المطايا . وله من الآثار ما هو في مسامع النّبغاء شنف ، وفي مجامع البلغاء روض أنف ومن خبره على ما نقل ابن معصوم ، أنه لم يزل ممتطيا صهوة العزّ المكين ، راقيا ذروة طود الجاه الرّكين . لا يقاس به قرين ، ولا تطأ آساد الشّرى له عرين . إلى أن تولّى الشريف أحمد بن عبد المطلب مكة المشرّفة ، ورفل في حلل ولايتها المفوّفة . وكان في نفسه من الشيخ المشار إليه ضغن ، حلّ بصميم مهجته وما ظعن . فأمر أوّلا بنهب داره ، وخفض محلّه ومقداره . ثم قبض عليه قبض المعتمد على ابن عمّار ، وجزاه الدهر على يديه جزاء سنمّار . إلا أن المعتمد أعضّ ابن عمّار بالحسام الأبيض ، وهذا طوّقه هلال فتر من أنامل عبد أسود ، فجرّعه كأس الموت الأحمر . وكان قد أبقاه في محبسه إلى ليلة عرفة ، ثم خشي أن يسعى في خلاصه من أكابر الروم من عرفه . فوجّه إليه بزنجيّ أشوه خلق اللّه خلقا ، وتقدّم إليه بقتله في تلك الليلة خنقا . فامتثل أمره فيه ، وجلّله من برد الهلاك بضافيه . فأقفرت لموته المدارس ، وأصبحت ربوع الفضل وهي دوارس . وذلك في عام سبع وثلاثين وألف . ومن الاتّفاق أن الشريف المذكور قتل هذه القتلة بعينها ، حين تقاضت منه الليالي ما سلفت من دينها . وفي الأثر : « كما تدين تدان » ، وهذا حال الدهر مع كلّ قاص ودان . وهذا حين أتلو من آياته ، وأثبت ما يدلّ على بعد غاياته . فأعظمها قصيدته التي مدح بها الشريف حسنا ، وابنه أبا طالب ، مهنّيا لهما بالظّفر بأهل شمر ، وهو جبل بنجد : نقع العجاج لدى هياج العثير * أذكى لدينا من دخان العنبر وصليل تجريد الحسام ووقعه * في الهام أجدى نغمة من جؤذر وسنا الأسنّة لامعا في قسطل * أسنى وأسمى من محيّا مسفر وتسربل في سابغات مزرّد * أبهى علينا من قباء عبقري